أبي طالب المكي

376

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم . وقال بعض الحكماء : ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد ، ولا يزيدك لطف الحقد إلَّا وحشة منه . وقد روينا في الحقد على الإخوان لفظة شديدة ، وهو ما حدثونا عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال : كنت باليمن ، وكان لي جار يهودي يخبرني عن التوراة ، فقدم علينا يهودي من سفر فقلت : إنّ الله تبارك وتعالى قد بعث فينا نبيّا ، فدعا إلى السلام فأسلمنا ، وقد نزل علينا مصدقا للتوراة فقال اليهودي : صدقت ، ولكنكم لا تستطيعون أن تقوموا بما جاءكم به ، إنّا نجد نعته ونعت أمته أنه لا يحل لامرئ يعلم منهم أنّ يخرج من عتبة بابه وفي قلبه سخيمة على أخيه المسلم . وقال بعض السلف : أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان ، وأعجز منه من ضيع من ظفر منهم ، وقال الحسن : لا تشتر عداوة رجل بمودة ألف رجل . وقال عمر بن عبد العزيز : إياك ومن مودته على قدر حاجته إليك ، فإذا قضيت حاجته انقضت مودته ، ومن أخلاف السلف قال : لم يكن أحد منا يقول في رحله : هذا لي وهذا لك ، بل كان كل من احتاج إلى شيء استعمله عن غير مؤامرة ، وقد وصف الله عزّ وجلّ المؤمنين بهذا في قوله تعالى : * ( وأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) * [ الشورى : 38 ] . معنى أمرهم أي أمورهم ذكر جماعها كالشئ الواحد بينهم شورى أي مشاع غير مقسوم ، ولا يستبد به واحدهم فيه سواء ، ومما رزقناهم ينفقون ، أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله من بعض أي شركاء ، وجاء عتبة الغلام إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال : أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف ، فقال : خذ ألفين فأعرض عنه وقال : آثرت الدنيا على الله عزّ وجلّ ، أما استحيت أن تدعي الأخوة في الله عزّ وجلّ وتقول هذا ، وجاء فتح الموصلي إلى منزل أخ له وكان غائبا ، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه فأخذ من كيسه حاجته ، فذهبت الجارية إلى مولاها فأعلمته فقال : إن كنت صادقة فأنت حرة لوجه الله تعالى سرورا بما فعل . وروي أنّ ابن أبي شبرمة قضى لبعض إخوانه حاجة كبيرة ، فجاءه الرجل بهدية جليلة ، فقال : ما هذا فقال : ما أسديت إلي ، فقال : خذ مالك ، عافاك الله إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة ، وكبّر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى ، وعلى ذلك قال بعضهم : إذا استقضيت أخاك الحاجة فلم يقضها لله فذكَّره ثانية ، فلعله يكون قد نسي . فإن لم يقضها فعاوده ثالثة فقد يكون شغل عنها بعذر ، فإن لم يقضها فكبره عليه واقرأ عليه هذه الآية : * ( والْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ الله ) * [ الأنعام : 36 ] . وقال ميمون بن مهران : من رضي من الإخوان بترك الأفضال فليؤاخ أهل القبور . وجاء رجل إلى